المقابلة

يريد منها البلاغيون :

أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو عدّة معانٍ متوافقة ، ثم يؤتى بِمُقابلاتٍ لها على ترتيبها.
وتكون المقابلة من حيث عدد المتقابلات :
1- بين معنيين ، كما في قوله تعالى (( فَليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً)). حيث أُتي بالضَّحك الموصوف ياللقلّة أولاً ، ثم أوتي بما يقابلهما تماما : البكاء الموصوف بالكثرة. وكما في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام : (( عليكِ بالرفقِ ياعائشة، فإنه ماكان في شيء إلا زانه ولا نُزع من شيء إلا شانه))
ومنه في الشعر قول النابغة الجعدي :

فتىً تمَّ فيه مايسر صديقه على أنّ فيه مايسوء الأعاديا

2- بين ثلاثة معانٍ ، كما في قوله تعالى : (( وَيُحِل لهُمُ الطيبات ويحرم عليهم الخبائث )). والتقابل واضح .
ومنه في الشعر قول المتنبي :
ماأحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

أتى بالحسن والدين والثراء المفهوم من ( إقبال الدنيا ) ثم أتى بما يقابلها على الترتيب: القبح والكفر والإفلاس.
3- بين أربعة معان ، كمافي قوله تعالى (( فأمّا من أعطى واتقى * وصدّق بالحسنى *فستيسّره لليسرى * وأمّا من بخل واستغنى * وكذّب بالحسنى * فسنيسره للعسرى )، أتى أولا بالإعطاء والإتقاء والتصديق واليسر ، ثم أتى بما يقابلها على الترتيب : البخل الاستغناء والتكذيب والعسر .
4- بين خمسة معانٍ ، كما في قول المتنبي :
أزورُهم وسَوادُ الليل يشفعُ لي وأنثني وبَياضُ الصبح يُغري بي
أتى بالزيارة ، والسواد ، والليل ، والشفاعة له ، ثم أتى بما يقابلها على الترتيب : الانثناء بمعنى الرجوع ، البياض ، الصبح ، الاغراء به .
5- بين ستة معانٍ، كما في قول الشاعر :

على رأسِ عبدٍ تاجُ عزٍّ يزينهُ وفي رجلٍ حرّ قيدُ ذُلٍّ يشينهُ

والمقابلة هنا واضحة .

· جماليات المقابلة :

يبدو أن جمالية هذا المحسن البديعي تعتمد في جانب منها على مافي التطابق من جماليات أشرنا اليها.
فإن القابلة ضربٌ من المطابقة ، ولاتختلف عنها إلا في الكم . ففي المقابلة يكون التقابل بين معنيين على الأقل ، أما في الطباق فلا تكون إلا بين معنى واحد ومقابله. ويضاف الى ذلك جمالية أخرى هي ( تحقيق التوقع ) ، فإن المتلقي حين يدرك التقابل بين معنيين الأولين في المقابلة يعد نفسه لتلقي تقابل آخر ، فإذا ماتحقق له ذلك أحسَّ بشيء من المتعة هي المتعة التي نأنسها عندما تتحقق توقعاتنا. كما تنطوي المقابلة على قدرةٍ فائقة على تمييز الأشياء وبيانها . تأمل هذا التعبير الدقيق عن التحول الذي عاشته الأمة بين مرحلتين :
يا أمةً كان قبحُ الجورِ يسخطُها دهراً فأصبحَ حسنُ العدل يرضيها
وكذا فإننا لانملك إلا أن نعجب بأولئك اللذين يقدرون على التصرف بمفردات اللغة والإتيان بها متناظرة متقابلة على هذا النحو الانتقائي الذي يشي بالقصد ، وينبّئ عن حسٍ جمالي راقٍ.

إعداد : أبو ميلاد