حين تقرأ قول الشاعر الجاهلي (المنخل اليشكري) وهو يصف لك حالة الوجد التي ترسم عوالمه فتحس بصدق المعاناة تجاه محبوبته بمثل هذا البوح الآسر :
(وأحبها وتحبني /ويحب ناقتها بعيري) تحس أنك في لحظة التجلي هذه ،تدخل عالمه الوجداني في ومضة شفافة ،هي الرعشة الصادقة في الأْعماق بعيداً عن الوهم المتماوج في صخب الصنعة الضالة ،وهنا يكون الشعر نبرة روحانية لتقل عنها ألقاً سحر الدهشة والانبهار يرسمها «المجنون» في مثل قولهأخط وأمحو الخط ثم أعيده/بكفي والغربان حولي وقع) .‏
ومن هنا يكون الشاعر في لحظة الشعر الحقيقية ،مبدعاً خلاقاً يرسم لهفة الوجد في لحظة يغيب فيها الوعي ويترك الرؤى الحالمة تتجلى ومضة ملهمة فوق الحدود.‏
وهنا أعود في لحظة الوجد هذه لأنقل لكم في دفقة ساحرة تجسد لهفة الشاعر يرسم آفاقه سحراً حلالاً في مدركات (جميل بثينة) متحدياً مكيدة الواشين في نبرة صادقة تؤطر لكل زمان:‏
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا /سوى أن يقولوا إنني لك عاشق‏
نعم صدق الواشون أنت حبيبة /إليَّ وإن لم تصف منك الخلائق‏
وقد يرى متنكر لمعنى الجمال أني اخترت أمثلتي من أنفاس العشق وكوامن المحبة ،وأعتقد أن فيها أرفع السهام لترعة الجمال المتجسدة في ضمائر الناس ،فالله محبة والحق محبة ،ولاتكون حياة بدون إشعاعها المقدس ،يقول«ابن الفارض»: (ومن لم يفقه الهوى فهو في جهل)‏
ويرى المفكر زكي مبارك «أن المتصوفين عشاق تحولوا من الحب الوجداني الى الحب الرواحني» وهنا أْعود لأنقل لك مواقف من الوجد كانت رصيد قراءة متأنية للشاعرة مرشدة جاويش في مجموعتها الجديدة (وصاياالغيم) وهي ترسم حدود اللهفة في رؤى أرصدها متجسدة في مواقف خلاقة ،وأولها هذا الحدث الذي يعجز العابرون عن إدراك مكنونه بالترنم الخجول في متارف اللهو حين يرسم كينونة الجسد في لهفة التوحد( لن أنسى كيف سريري / ارتجف كثيراً بين يديك/ وجن من الامتاع فطرنا /كعصافير السدرة /هل تذكر كيف اكتمل صهيل لم نألفه/وكيف تبرعم تفاح في الشمس /وراح يطارد فينا /عسل المعنى )‏
ولعله يبدو أكثر آرهاصاً بنشوة الخلق وألقه في دمعته الحرى إذ تبدو كهذا النشيد العابق باللهفة هو العطر في نار أثنان/مكنون نص الجنون/وسر الغزالات في الروح /سر القرابة بين الكروم وبين الجحيم )‏
وللتجلي رؤيته الحالمة عبقاً مسكراً دون دنان وهو يخلد الى وحي الشعر نبضة خلق جديد ،فما عليك إلا الدخول في عالم الرشفة الحالمة وأنت تترنم بهذا الحداء (حين عدوت اليك /امتزج الساحر بالمسحور /امتزجت أنثى بذكورتها /امتزج الليل بما ينكره /امتزج الثلج ببعض النار/ امتزج القاتل بالمقتول /امتزج الشاعر بقصيدته ).‏
وكي تدرك قبل فوات الأوان هاجس التجلي شاخصاً ،فاستحضر معي لحظة الخلق والابتكار في ماترمي اليه هذه الاعترافات حين تقرأ (هو لاذع كالمر أؤ كالخمر/كم نادى على عطري /وكم في شاطئي / تاهت رؤوس العشب في دمه /وكم يده الشفيفة غاصنت حلمي وشعت في حريري /هو ناصع كالثلج أو كالموج /كم هبت على لغتي رهافة عوده /وتخضبت بالأبيضين قصائدي /وطن أنا للزرع /كم نام الندى قربي/وكم يتلذذ الشعراء فض مواجدي )‏
تلك حالات من التجلي نادرة الوجود،وعابقة بالسحر ،ترصدها الشاعرة (مرشدة جاويش) وهي تفيض بالوجد وعبق الروح ،وترسم مشاهدها جدولاً من عميم ربوعها الواعدة .‏
أتمنى للشاعرة مزيداً من التألق في عالم الخلق والابداع .‏
فاضل سفان‏