ثمة «جوانيات» تكتبها المرأة بحس لا يدركه الرجل

الأدب النسائي الفراتي، استطاع في الآونة الأخيرة أن يثبت نفسه، رغم بعض الاعتراضات ومطرقة المجتمع التي لا ترحم، رغم ذلك أصبح لهذا الأدب هوية... من هذا الأدب، كانت القاصة جهان المشعان، التي حملت كثيراً في إطار من التجديد، فكانت تجربة متفردة في السياق والمضمون، لها مجموعتان قصصيتان، حملت الأولى عنوان «مذكرات دودة القز» والثانية وسمت بعنوان «لما حصل في اللقاء الأخير».


edair-alzor التقى القاصة جهان مشعان وكان السؤال بداية:

* نود أن نتعرف على البدايات التي انطلقت من خلالها جهان مشعان نحو الكتابة والأدب؟!...

** ربما عندما كنت أحصل على أعلى الدرجات في المواضيع الإنشائية المدرسية، أو ربما في القصاصات الملونة التي كنت أخفيها عن الأعين، في أكثر الأماكن سرية وحميمية، أو ربما في دفتر المذكرات الذي كنت أواظب فيه على تسجيل كل دقائق حياتي، وخطرات فكري ونبضات قلبي، إلا أن البداية الحقيقية كانت بعد معاناة اجتماعية وعائلية، فجرت في قلمي احتجاجاً خجولاً، تمثل في قصة «مذكرات دودة القز».

وتتابع مشعان حديثها عن البدايات فتقول: تدفقت الكلمات والأحرف لتكون أسطراً، ولتكون قصصاً نشرتُ إلكترونيا في البداية في موقع القصة العربية، الذي هو بيتي.. منذ القصة الثانية «أصل الحكاية» بدأ اسمي يتكرس كقاصة متميزة، أحدهم وصفني بـ «الظاهرة» وبعد النشر الالكتروني بدأ النشر الورقي، كانت قصصي تقابل بالاهتمام، وخصوصاً بعد أن أصدرت مجموعتيَ «مذكرات دودة القز» و«ما حصل في اللقاء الأخير» وقد حظيت باهتمام النقاد، وإلى الآن قلمي يطلق رصاصاً وباروداً ضد كل ما هو بشع ورخيص وسيء، كما يطلق أحلاماً ملونة ووروداً وعصافير.

* لك مجموعتان قصصيتان جاءتا تحت عنواني «مذكرات دودة القز» و«ما حصل في اللقاء الأخير» فماذا عنهما؟!

** بتشجيع من الزملاء ظهرت مجموعتيَّ إلى النور، وقد لقيتا الاستحسان وفيها ما فيها من أحلام مجهضة وهواجس ثقيلة، وأوجاع أنثى في مجتمع شرقي متزمت ومغلق، تحكمه العقلية الذكورية المستبدة التي لا تسمح لها بالتنفس إلا على الورق... نعم في مجموعتي كنت منحازة تماماً للأنثى المقهورة والمستعبدة، لا أستطيع أن أكتب كلاماً تافهاً، لقلمي رسالة يجب أن يؤديها، لكن بالتأكيد ليس على حساب الفن والمتعة.

* للغربة دور كبير في حياتك، فماذا أحدثت هذه الغربة في شخصيتك وأدبك؟!..

** بالتأكيد لله حكمة في جعل رسوله الكريم يهاجر إلى المدينة، أما كان بإمكانه نصرة دينه في مكة؟!... إذاً هي حكمة إلهية... قديماً قال الشاعر العربي: مقام المرء في الحي مخلق لديباجته فاغترب تتجدد.

وتتابع مشعان: كانت الغربة - رغم قصرها - تجربة هائلة أغنتني بما لم تغنني فيها سنوات إقامتي السابقة في بلدتي الصغيرة، بصراحة في الغربة كانت ولادتي الثانية وما زلت أنشدها... تصور أن تخرج امرأة مهزوزة خائفة من تراث قديم لم يستوعب المرأة بشكل كاف، لتقف مشدوهة مبهورة الأنفاس أمام حضارة بشرية راقية «سويسرا»... بالتأكيد سبّب ذلك لي هزة عنيفة قد لا تحصل للإنسان العادي وغير المبالي، أما نحن الحالمون بعالم أفضل، فذلك يشكل «صدمة حضارية» استطعت أن أتعافى منها بسرعة، ذلك أنني بدأت بفرز ما هو سلبي أو إيجابي في تلك الحضارة، ومقارنتها بما لدينا من الإيجابيات، كانت قصتي «أنا وسوزان والقرود الميتة» تخليداً لتلك الصدمة، وقد حصلت على المركز الأول للأدباء الشباب غير الناطقين بالألمانية وترجمت إلى لغات عدة.

* كيف ترين واقع القصة القصيرة السورية؟!...

** القصة القصيرة في سورية متألقة جداً، مقارنة مع نظيرتها في بقية الدول العربية، والدليل الجوائز التي يحصدها أدباؤنا في المسابقات على مستوى الوطن العربي، لدينا أسماء مهمة وأسماء تحاول ان تجد لها مكاناً في المشهد الأدبي، رغم أنها لم تأخذ فرصتها بعد.

وتضيف مشعان: قد يكون النشر الإلكتروني هو الحل البديل، وهو حل لا بأس به، ليتعرف الناس على نتاج هذا المبدع أو ذاك، أما القصة القصيرة النسائية في سورية، فهناك أصوات نسائية متميزة... الأسماء كثيرة ولكنني أذكر على سبيل المثال لا الحصر: نجوى نجاتي ومية الرحبي وهيفاء بيطار، وشذا برغوث وابتسام التريسي وسوزان خواتمي ونسرين طرابلسي، وماري رشو وميرفت أحمد وعبير إسماعيل، ووصال سمير ومي الجليلي ونجاح إبراهيم، ولا ننسى الخصوصية الفراتية الجميلة لأدب شذا برغوث.

* هل أنت مع ما يسمى بالأدب النسائي؟!..

** المرأة القاصة تبدع مرتين، الأولى عندما تهب أبناءها للحياة، والثانية عندما تهب أبناء الحياة أدباً يسعى لجعل حياتهم أرحب وأجمل، ثمة «جوانيات» أنثوية حلوة، تكتبها المرأة المبدعة بحس مرهف وشفافية عالية، قد لا يتقنها الرجل لأنها أنثوية محضة، وأنا لا يخجلني أبداً مصطلح الأدب النسوي، بل أجده معقولاً ومناسباً لما تكتبه المبدعة الأنثى، وفي النهاية هو جدول يصب في نهر الإبداع الإنساني، سواء أكان كاتبه ذكراً أم أنثى.

* تتعمدين دائماً ترك النهايات مفتوحة في أغلب قصصك، وهذا ما لاحظناه في مجموعتيك، فما سر ذلك؟!..

** أنا بطبعي مرنة، أكره الانغلاق والتصلب والحتمية، وأقبل بالممكن والمحتمل، لذلك أترك نهايات قصصي مفتوحة على كافة الاحتمالات... كل ما أريد قوله: لا شيء مطلق... دائماً هنالك ثمة أفق..

* تعملين حالياً محامية، فما هو الرابط بين المحاماة والأدب؟!..

** لا شك أن في قصصي الكثير من الثورة، ومرد ذلك إلى رفضي للظلم والقهر واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، رغم أن الواقع حوَل فكرة العدالة إلى حلم رومانسي عذب... وعصي المنال!!...

* هل من كلمة أخيرة توجهها جهان مشعان للأدباء الشباب، وهم يبدأون خطاهم الأولى؟!....

** نصيحة للأدباء الشباب: اقرأوا... سافروا... غامروا... لن تخسروا شيئاً، وستربحون حلاوة التجربة التي ستتحول أدباً مبدعاً... لا شيء يقتل روح المبدع سوى المكرر والطبيعي والعادي.

إيناس سفان